يقول «ذيل الأدب الأميركي»، كما وصفته يوماً بروباغندا الدعاية والتحريض في وسائل ووسائط إعلام الليبرالية والنيوليبرالية، شاعر «الواقعية السياسية الوسخة» تشارلز بوكوفسكي: «ثمة أشياء أسوأ من أن تكون وحيداً... لكن غالباً ما يستغرق الأمر عقوداً لإدراك ذلك... وفي أغلب الأحيان، عندما تدرِكه يكون قد فاتك الأوان... وليس ثمة ما هو أسوأ من فوات الأوان!».
في كتابه الشهير «نقطة زرقاء باهتة»، لا يقدّم عالم الفلك الراحل كارل ساغان مجرّد سرد علمي عن الكون، بل يبني نصّاً فلسفياً عميقاً، يضع الإنسان في حجمه الحقيقي داخل هذا الاتساع الكوني الهائل. يمزج ساغان بين المعرفة العلمية المتاحة حول النظام الشمسي وموقع الأرض داخله، وبين تأمّل وجودي حاد حول معنى أن نكون بشراً نعيش على كوكب صغير، هشّ، معلّق في الفراغ.
الصورة التي اختارها غلافاً لكتابه لم تكن تفصيلاً جمالياً، بل جوهر الفكرة نفسها: صورة التقطها المسبار الفضائي «فوياجر 1» في 14 شباط 1990، من مسافة غير مسبوقة، تظهر فيها الأرض كنقطة زرقاء باهتة تكاد لا تُرى. أمام هذه الصورة كتب ساغان عبارته الشهيرة التي تختصر تاريخ البشرية كلّه في ذرّة غبار عالقة في شعاع شمس، حيث عاش كل إنسان عرفناه، وكل حضارة قامت واندثرت، وكل أمل وخطيئة، وكل طفل وأم وأب، وكل قائد وفاسد، وكل قدّيس ومجرم.
هذا الإدراك الكوني القاسي لا ينفصل اليوم عن نقاشات معاصرة واسعة داخل علوم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والفيزياء والرياضيات، وصولاً إلى علوم الأوبئة والتلوث. فغالبية الباحثين في هذه الحقول باتوا يُجمعون على أنّ نهاية هذا العالم ليست مجرّد خيال أدبي أو سيناريو سينمائي، بل احتمال علمي له أسباب محدّدة وأخرى غير متوقعة. تقارير مراكز الأبحاث العالمية، ومنها دراسات صادرة عن جامعة أكسفورد، حدّدت 3 مسارات كبرى قد تقود إلى انهيار شامل للحياة على كوكبنا. أول هذه المسارات يتمثل في انتشار أوبئة قاتلة، سواء مثل التي عرفها العالم (إيبولا، زيكا وكورونا)، أو أمراض لم تُكتشف بعد، أو ما زالت طَي الكتمان داخل مختبرات الحروب البيولوجية والجرثومية. الخطر لا يكمن فقط في المرض نفسه، بل في عجز العلم أحياناً عن تحديد أسبابه أو احتوائه بالسرعة الكافية.
المسار الثاني هو التغيُّر المناخي العنيف. فالعالم يشهد، كما يحذّر أندرو وينستون في كتابه «المحور الكبير»، تصاعداً غير مسبوق في الكوارث الطبيعية: أعاصير، جفاف، فيضانات، زلازل، براكين، أزمات غذاء ودواء، وندرة متزايدة في الموارد. هذه الظواهر لم تعُد استثناءات، بل باتت جزءاً من نظام عالمي مختل. أمّا المسار الثالث، وهو الأخطر، فيتعلّق بإمكانية اندلاع حرب عالمية كبرى، أو حرب نووية شاملة. ووضع تقرير «المخاطر العالمية» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2017، أسلحة الدمار الشامل في صدارة التهديدات الوجودية للبشرية.
في موازاة هذه المخاوف، تفتح الفيزياء الحديثة باباً فلسفياً لا يقلّ إرباكاً. فوفق الفيزياء الكلاسيكية، يمكن لجسيم داخل صندوق أن يمتلك طاقة حركية صفرية إذا كانت سرعته صفراً. غير أنّ ميكانيكا الكم، عبر مبدأ عدم اليقين الذي صاغه فيرنر هايزنبرغ، تقلب هذا التصوّر رأساً على عقب. هذا المبدأ ينص على استحالة معرفة موقع الجسيم وسرعته بدقة مطلقة في آنٍ واحد. فإذا حُدِّد الموقع بدقة، أصبحت السرعة غير يقينية، والعكس صحيح.
من هنا يظهر مفهوم «طاقة النقطة صفر»، أي أنّ الجسيّم لا يمكن أن يكون ساكناً تماماً حتى عند درجة الصفر المطلق، لأنّ السكون المطلق يناقض مبدأ عدم اليقين. هذا الارتجاج الدائم، حتى في أدنى حالات الطاقة، يعكس حقيقة أعمق: اللايقين ليس خللاً في القياس، بل خاصّية بنيَوية في الكون نفسه.
هذا اللايقين العلمي يجد صداه في السياسة والعلاقات الدولية. وأعادت منصّة «ترجمات» نشر فيديو من 9 سنوات للباحث الأميركي جون ميرشايمر، أحد أبرز منظّري العلاقات الدولية، فيحذّر بوضوح من أنّ تشجيع أوكرانيا على مواجهة روسيا، عبر وعود الانضمام إلى الغرب وهزيمة موسكو، هو دفع لها نحو الهلاك.
أهمّية هذا الطرح لا تكمن في توقيته فقط، بل في تشابهه مع سوابق تاريخية كثيرة، إذ وُرِّطت دول وشعوب في حروب كارثية تحت شعارات براقة. السينما الأميركية نفسها (Best Defense أو Arlington Road) قدّمت قبل وقوع أحداث كبرى، قراءات مسبقة لآليات عمل الاستخبارات وصناعة الحروب والذرائع، من فيتنام إلى 11 أيلول، وصولاً إلى الحروب المعاصرة التي تُبثّ اليوم مباشرةً على شاشات الأخبار.
في هذا السياق، يصبح الإعلام، السينما، والتكنولوجيا، جزءاً من منظومة واحدة. فوسائل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدّمة باتت في صلب صراع الأمم منذ بدايات الثورة الصناعية، حين تشكّلت البرجوازية الحديثة، وصولاً إلى اللحظة الراهنة التي يبدو فيها الإنسان نفسه مادة اختبار داخل مختبرات الرأسمالية المالية العالمية. لم تُبنَ هذه الصناعات على أساس تلبية حاجات الإنسان، بل على تعظيم الربح والقوّة والسيطرة. حتى تسريبات فيديوهات كبرى، كأحداث 11 أيلول، دخلت في إطار صراع الروايات، غذّت نظريات المؤامرة في عصر الأخبار الزائفة.
وعلى رغم من مرور عقود على تلك الأحداث، لا يزال العالم يدفع أثمانها: دول دُمّرت، شعوب شُرّدت، فقر متفشٍ، وموت بأشكاله كافة، من الجوع والبرد إلى الصواريخ الذكية والقرارات السياسية المتهوّرة. أمام هذا المشهد، اندفع مفكّرون ونُخَب فكرية إلى الدعوة لإعادة «اختراع» العالم، أي إعادة صياغته سياسياً واقتصادياً في ظل التحوّلات الكبرى، وفي مقدّمتها تآكل نموذج الدولة الوستفالية.
في هذا العصر، حيث يلتقي اللايقين الفيزيائي مع الفوضى السياسية، يبدو الإنسان أقرب من أي وقت مضى إلى تلك «النقطة الزرقاء الباهتة» التي وصفها ساغان: هشّ، محاصر، ومعلّق بين عبقرية الخلق وقدرة التدمير.